الغزالي
182
إحياء علوم الدين
تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها ، فتكون الروح العالمة ، العاقلة ، المدركة ، باقية مستعملة لبعض الأعضاء ، وقد استعصى عليها بعضها والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها وكل الأعضاء آلات ، والروح هي المستعملة لها . وأعنى بالروح المعنى الذي يدرك من الإنسان العلوم ، وآلام الغموم ، ولذّات الأفراح . ومهما بطل تصرفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم والإدراكات ، ولا بطل منها الأفراح والغموم ، ولا بطل منها قبولها للآلام واللذات . والإنسان بالحقيقة هو المعنى المدرك للعلوم وللآلام واللذات وذلك لا يموت ، أي لا ينعدم ومعنى الموت انقطاع تصرفه عن البدن ، وخروج البدن عن أن يكون آلة له ، كما أن معنى الزمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة . فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلها . وحقيقة الإنسان نفسه وروحه ، وهي باقية . نعم تغير حاله من جهتين . إحداهما : أنه سلب منه عينه ، وأذنه ، ولسانه ، ويده ، ورجله ، وجميع أعضائه . وسلب منه أهله ، وولده ، وأقاربه ، وسائر معارفه ، وسلب منه خيله ، ودوابه وغلمانه ، ودوره ، وعقاره ، وسائر أملاكه . ولا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء من الإنسان ، وبين أن يسلب الإنسان من هذه الأشياء ، فإن المؤلم هو الفراق ، والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرجل ، وتارة بأن يسبي الرجل عن الملك والمال ، والألم واحد في الحالتين . وإنما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم . فإن كان له في الدنيا شيء يأنس به ويستريح إليه ، ويعتد بوجوده ، فيعظم تحسره عليه بعد الموت ، ويصعب شقاؤه في مفارقته ، بل يلتفت قلبه إلى واحد واحد من ماله ، وجاهه ، وعقاره ، حتى إلى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به . وإن لم يكن يفرح إلا بذكر الله ، ولم يأنس إلا به ، عظم نعيمه ، وتمت سعادته ، إذ خلى بينه وبين محبوبه ، وقطعت عنه العوائق والشواغل ، إذ جميع أسباب الدنيا شاغلة عن ذكر الله . فهذا أحد وجهي المخالفة بين حال الموت وحال الحياة والثاني : أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفا له في الحياة ، كما قد ينكشف للمتيقظ